المقريزي

104

المقفى الكبير

صبر السلطان من كثرة تحكّم بيبرس الجاشنكير وسلّار النائب عليه ، ومنعهما له من التصرّف ، وضيق ذات يده . فشكا ذلك لخاصّته ، وأكثر من التوجّع . فوعدوه بالقيام معه وأخذ الأميرين وأحبّوا الاستظهار على ذلك بأحد من الأمراء . فوقع الاختيار على الأمير بكتمر الجوكندار أمير جاندار لما كان يظهر من موادّته للسلطان في السرّ . فاستدعاه السلطان وعرّفه ما وقع عليه الاتّفاق ، فوافق عليه ، وقرّر أنّه إذا غلق باب القلعة وباب القلّة وحضرت المفاتيح عند السلطان على العادة ألبس مماليكه وأركبهم الخيول من الاسطبل فيمضو [ ن ] إلى إسطبلات بيبرس وسلّار وأتباعهما ويأخذون خيولهم منها ، وتضرب الكوسات السلطانيّة ليجتمع الناس لطاعة السلطان . ثم إنّه يأتيهم وقت أذان الفجر حتى يتوجّه هو والمماليك السلطانيّة ، ويهجموا على بيبرس وسلّار في دورهما بالقلعة ويأخذوهما . فنقل ذلك إلى بيبرس وسلّار من أعين كانت لهما دائما تنقل إليهما ما يكون في مجلس السلطان . فكتما ذلك وأخذا في الاحتراس ، وبيّتا مع الأمير بلبان الدمشقيّ والي القلعة - وكان من أخصّاء بيبرس ، ومن جملة البرجيّة - أن لا يغلق أبواب القلعة في تلك الليلة ويوهم أنّه غلّقها ويطرّف أقفالها ويدخل بالمفاتيح على ذلك . ففعل ذلك ، وظنّ [ 94 أ ] المماليك السلطانيّة أنّهم قد حصلوا على ما أرادوه . فتهيّئوا وانتظروا بكتمر الجوكندار أن يأتيهم ، فلم يحضر ، حتى فتح باب القلّة بعد الفجر ، فبعثوا إليه ، فإذا به جالس مع بيبرس وسلّار ، وقد تحالفوا أن يكونوا يدا واحدة . وفتح باب القلعة وحضر الأمراء بأجمعهم إلى الخدمة على العادة . فاشتدّ وهم السلطان وظنّ أنّ الجوكندار غدر به وانتظر وقوع المكروه به من الأمراء . وما كان الجوكندار بالذي غدر ، إلّا أنّه لمّا بلغ بيبرس وسلّار ما وقع الاتّفاق عليه اجتمعا بدار النيابة من القلعة ، وعزم بيبرس على أن يبعث إلى الجوكندار من يهجم عليه بيته ويأخذه منه بالقوّة . فمنعه سلّار من ذلك - وكان كثير السياسة حسن التدبير - وبعث من يستدعيه برفق لضرورة حديث . وقال بيبرس : إن امتنع ، فأخرجوه كرها . فلمّا قدم الرسول إليه ظنّ السوء وهمّ بالامتناع ، ثمّ توجّه إليهما . فعنّفاه تعنيفا كثيرا على ما قرّره مع السلطان ، فأنكر ذلك وحلف أنّه باق على ما يعهد [ ان ] ه من قيامه معهما . فجدّدا عليه اليمين بالوفاء لهما وحادثاه حتى أصبح . وحضر الأمراء هذا ، وقد وقف أتباع بيبرس وسلّار على خيولهما بباب الإسطبل يترقّبون من يخرج منه ليوقعوا به . فمنع بيبرس وسلّار الأمراء من الدخول لخدمة السلطان على العادة ، وأغروهم بالسلطان ومماليكه ، فطار الخبر بالقاهرة أنّ الأمراء عزموا على قتل السلطان أو إخراجه إلى الكرك . فغلّقت الأسواق واجتمعت العامّة تحت القلعة . وركب الأجناد والأمراء وأقاموا نهارهم على ذلك . فلمّا أقبل الليل خشي الأمراء من نزول السلطان من باب سرّ القلعة فأكّدوا على أمير آخور بالاحتراس على الخيل وأوقفوا جماعة بالسلاح على باب الإسطبل . فلمّا انتصف الليل سمعت حركة بالإسطبل : وهي أنّ المماليك السلطانيّة قصدوا النزول ليركبوا من الإسطبل ويقاتلوا على الباب . فمنعهم السلطان من ذلك . فضرب سمك طبله وحطّم إلى الإسطبل ورمى بالنشّاب فوقع سهم في الرفرف « 1 » السلطانيّ ، فأخذها السلطان

--> ( 1 ) حطّم هنا بمعنى : أجرى فرسه بسرعة ( دوزي ) . والرفرف - حسب تعليق محمد مصطفى زيادة ( السلوك 2 / 35 -